<
تجليات الفن العربي والإسلامي في الرسم والخط والعمارة
تجليات الفن العربي والإسلامي في الرسم والخط والعمارة

 تجليات الفن العربي والإسلامي في الرسم والخط والعمارة

"يهدُف الفن إلى خلق عالم أكثر إنسانية مواز للعالم الحقيقي." هكذا عبّر أندريه موروا، الكاتب الفرنسي عن أهمية الفن.
والقضية التي لا
بد أن تثار هنا من هذا القول هي العلاقة بين الفن والمجتمع، وكأن الفن يسعى إلى جعل الحياة أكثر إنسانية مما هي في الواقع، سواء من خلال تجميل الواقع، بالمفاهيم الرومانسية، أو تصوير الواقع ونقده في المفاهيم الواقعية، أو رفض الواقع وتجاوزه بالمفاهيم الحداثية والمابعد حداثية. 
إن الأقوال والأحكام التي يتناقلها بعض المتسلقين على الدين عن تحريم الرسم وبعض الفنون في الإسلام تحتاج إلى إعادة نظر وإعادة بحث ومساءلة، فالفن هو تعبير عن المجتمع بشكل ما، ويشكّل العديد من القيم الاجتماعية والسياسية والثقافية. هذه بديهية أساسية في الثقافة الإنسانية. فالخط والرسم والعمارة وغيرها من الفنون تتقاطع مع فنون أخرى وتنبثق عن فنون أخرى، وتستعين بفنون أخرى، وبمعارف أخرى. ولذلك فالمقولة أن الفن حرام هي مقولة تنتهي بكثير من علامات التعجب والسؤال، خاصة أن غربلة الفن لفصل الحلال عن الحرام بمفاهيم بعض المتدينين سيخلف لنا فنًا هزيلاً لا جذور له، ولا قوام ولا رأس.
ثم إن التاريخ يثبت عكس ذلك تمامًا، فالفن الإسلامي على امتداد عدة قرون يشهد أنه سار في طريق معاكس لما يروّج له اليوم. فقد قطع فن الخط العربي، والتشكيلي بصورة عامة، شوطًا كبيرًا في التقدم والتركيب وأثّر على العديد من الفنون في اللغات الأخرى. وهذا ينطبق على فن الأرابيسك، مثلما ينطبق على أنواع الرسم والزخرفة والخزف. ويمكننا بجلاء ان نرى ذلك في فن العمارة الذي تطور كثيرًا في المجتمع الإسلامي، سواء في الأماكن الدينية كالمساجد، أو في الأماكن غير الدينية كالقصور والمكتبات وسائر أشكال العمارة.
القضية الأخرى هي محاولات الفصل بين الديني والقومي. وأنا أرى من خلال الثقافة بشكل عام أن هناك تداخلًا مثمرًا بين العربي والإسلامي. وهذا التداخل لا يعني التناقض بينهما. لا يمكن إنكار ما قدمته الثقافة الإسلامية للمجتمع وللحضارة الإنسانية، من خلال تعاضد الديني مع القومي لإنتاج ثقافة.
الفنون لا تأتي من عدم، ولذلك هي امتداد لفنون من حضارات سابقة. وليس لحضارة معينة أن تدعي احتكار الفن، أو جعله مميزًا لحضارة معينة دون أخرى. 
لم ينل الفن العربي والإسلامي (الخط والرسم والعمارة) قدرًا من التجديد والإتقان إلا بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في العصر الأموي، ثم ورثتها الدولة العباسية، وفيهما نشطت حركة العمران فظهرت الكتابات والخطوط على الآنية والتحف واعْتُني بكتابة المصاحف وزخرفتها. وهذا يؤكد أن الفن يرقى برقي الأمم ويتدنى بتدنيها، كما يشهد بأن تقدّم الفن لم يأت من فراغ، بل هو وليد تلاقح ثقافي مع الحضارة الفارسية واليونانية وغيرهما من الحضارات القديمة.
هذه مجرد أفكار أرجو أن تساهم في هذا المؤتمر الذي يخصص لبحث تجليات الفن العربي والإسلامي في الرسم والخط والعمارة.
وأنهي بمقولة لبرتولت بريخت: "ليس الفن مرآة للحقيقة، بل مطرقة يمكن بها تشكيل الحقيقة."