<
حفل تدشين ميدان على اسم حبيبي
حفل تدشين ميدان على اسم حبيبي

البروفيسور محمود غنايم في حفل تدشين ميدان على اسم إميل حبيبي:

حبيبي تعامل مع الأدب كحقل بكر يكون هو الرائد فيه

 

 حيفا- الموقد الثقافي: بعد مرور 17 عامًا على رحيل الأديب والسياسي إميل حبيبي، دشّنت مدينة حيفا يوم أمس الأحد، وتحت رعاية رئيس بلديتها، السيد يونا ياهڤ، ميدانا يحمل اسمه. وذلك في قاعة بيت الكرمة في حيفا وضمن شهر الثقافة والكتاب العربي الذي ينظمه مركز بيت الكرمة سنويًا بالتعاون مع مكتبة كل شيء الحيفاويّة.

حضر اللقاء العديد من الكتّاب والأدباء والفنّانين وأصدقاء "حبيبي" ومحبّيه وأفراد عائلته، برز من بينهم المطران إلياس شقور، ورئيس بلدية الناصرة، رامز جرايسي، وعضو الكنيست، محمد بركة، وخلال الأمسية الثقافية تحدث كل من البروفيسور محمود غنايم، والبروفيسور نيسيم كلدرون، ورجا زعاترة، وسهام داؤود.

تولّى عرافة الأمسية الصحافي أنطون شلحت الذي قال: "من الصعب أن أوجز ما تبقى من إميل حبيبي في مقام كهذا، لكن لا شك بأن العودة إليه الآن، من شأنها أن تبيّن بعض الشيء ما بتنا نفتقده منذ رحيله عنا، والصّفة الملازمة له فحواها أنه لم يكن مبدعا ابن زمانه فحسب، وإنما كان أيضًا سباقا لعصره في مجالات كثيرة.

 ثم تحدّث أساف رون، مدير بيت الكرمة، ومما جاء في كلمته، بعد الترحيب بالحضور أقول، "حبيبي كان بالفعل كثير الأعمال وحيفاويًا، أحب حيفا وآمن بالعيش المشترك فيها". وقد قرأت الشاعرة سهام داؤؤد كلمة من الشاعر والمترجم أنطون شماس في نهاية الندوة التي اقيمت في بيت الكرمة.

وقد قُدّمت خلال الحفل فقرات فنيّة شارك فيها الموسيقيين حبيب شحادة وعلاء عزام ورنا خوري.

بعد ذلك انتقل الحضور الى ميدان إميل حبيبي، حيث أسدل الستار عن الميدان وأطلق اسم إميل حبيبي رسميًا على الميدان، ليخلد ذكراه ونتاجه إلى الأبد.

 

وتحدث يونا ياهڤ في الميدان فعبّر في كلمته عن أن إميل حبيبي كان رجلا غاليا وقد كان أول من استشاره عندما قرر ترشيح نفسه لرئاسة البلديّة وأضاف، انه سعيد لافتتاح هذا الميدان على اسم هذا المبدع ويسرّه تواجد الفنان محمد بكري الذي اخرج عملًا رائعًا للنور في "المتشائل" وركّز على أن حبيبي باقٍ في حيفا وفي قلوبنا.

وقد ركّزت جهينة حبيبي قندلفت- ابنة الراحل إميل حبيبي، في كلمتها على أن "تخليد ذكرى إميل حبيبي بكل ما يمثله من الاعتراف بمكانة المواطنين العرب الفلسطينيين في الدولة، هو حدث تاريخي". وقرأت مقطع من رواية والدها الراحل، سرايا بنت الغول.

أما البروفيسورمحمود غنايم، رئيس مجمع اللغة العربية في حيفا والمحاضر في قسم اللغة العربية في جامعة تل أبيب، فتحدث في ندوة بيت الكرمة عن مزايا أدب إميل حبيبي، فقال في كلمة بعنوان، لعبة الأدب والسياسة، "في كل مرة أتحدث عن إميل حبيبي أو أبحثه أديبًا أصوغ السؤال بشكل مختلف عن تميزه ككاتب مبدع. واليوم أجمع هذا التميز تحت سمة واحدة هي سمة التجريب، فحبيبي في جميع أعماله كان مغرمًا بالبحث عن الجديد؛ رفض أن يكون كاتبًا مقلّدًا، بل أكثر من ذلك، تعامل مع الأدب كحقل بكر، يكون فيه الرائد لذلك الحقل. القضايا السياسية التي عالجها الكثير من الكتاب، فلسطينيين وعربًا، صاغها بأسلوب رمزي ليخفّف من طغيان المباشرة السياسية على الخطاب الأدبي، ذلك الغول الذي اختطف سرايا. هكذا أعلنها على الملأ.

منذ السداسية تفتّح الرمز ليحتل موتيف "البحث" موقعًا مركزيًا في أعمال حبيبي مصوّرًا علاقة شخوصه بالأرض والوطن، علاقة الفروع بالأصول بين أبناء الشعب الفلسطيني. وهذا هو الجانب الأول في التجريب؛ إنه البحث الذي لا يكلّ في "وأخيرًا نوّر اللوز"، إذ تتجلى علاقة الحب بين البطل الذي هنا و الحبيبة التي هناك. بحث يقوم به البطل للعودة إلى الحبيبة التي نسيها أو أُنسيها. ثم البحث في المتشائل: سعيد الذي يبحث عن الخلاص ووالده من قبله الذي يبحث عن الكنز. أم الروبابيكا التي تبقى هنا وتبحث عن رسائل الحب في مخلفات اللاجئين الذي تركوا الوطن، والعائدة ثريا التي عادت إلى اللد بعد أيلول 1970 للبحث عن مصوغاتها واستخراجها.

أما البحث الأكبر فهو بحث الراوي –البطل في خرافية سرايا بنت الغول عن حبيبته سرايا التي أضاعها في غمرة انشغالاته. إنه البحث عن النقاء والفطرية والوطن وكل تلك الأشياء الجميلة التي ضاعت خلال مسيرة البطل الشاقة المليئة بالأسئلة.

الجانب الثاني في التجريب هو أن حبيبي لم يكتب رواية أو قصة أو سيرة ذاتية تقليدية. ولذلك تعددت الأنواع الأدبية في النوع الأدبي الواحد، وذلك من خلال امتزاج الأساليب وتعددها. اللغة الكلاسيكية تواجدت إلى جانب الحكاية الشعبية، لغة الصحافة إلى جانب لغة ألف ليلة وليلة ولغة الكتب الدينية والصوفية. كسر العالم التخييلي والخروج على الأعراف الأدبية عبر توجّه الراوي/الكاتب إلى القارئ، أو إلى مترجم أعماله، أنطون شماس، أو إلى شخصيات حقيقية في ثنايا العمل التخييلي، أو من خلال الملاحظات الهامشية التي توهم القارئ أنه أمام مؤلَّف كلاسيكيي مذيّل بالملاحظات وتفسير الكلمات والإحالات. إنها لعبة الأدب، بل هي لعبة الأدب والسياسة.   

وهذا ما دفع بعض النقاد أو القراء الذين لم ينفتحوا بانفتاح النص الحبيبيّ إلى تصوّر الجانب السلبي في التجريب. هم وقفوا عند حد الرواية أو القصة القصيرة أو السيرة الذاتية في الأربعينات والخمسينات ولم يتزحزحوا عن فهمهم ذاك.

السخرية السوداء والمرّة هي الجانب الثالث. فتارة يسخر من شخوصه وأخرى من السلطة ويحمّلها وزر ما ارتكبت بحق هذا الشعب بأجزائه وأشلائه.

كم هي حبيبة تلك الشخصيات على قارئ حبيبي؛ شخصية "السلطعون" في قصة "السلطعون" الذي انقلب من شخص حريز لا يتدخل في السياسة أبدًا إلى متطرف يقضي آخر أيامه سجينًا.

وها هي شخصية سعيد أبي النحس المتشائل، تلك الشخصية المليئة بالمتناقضات تثير الكثير من السخرية مثلما تثير الكثير من النقد. وما زالت هذه الشخصية إلى يومنا هذا تطرح العديد من التساؤلات لا على المستوى الأدبي فحسب، بل كذلك على المستوى السياسي.

ثم أخيرًا تلك اللغة المتوترة، المشدودة التي وظّفها حبيبي لتحمل ذلك الكم الهائل من السخرية المرّة، بتراوحها بين الشعبي بكل ما يحمل من ارتباط بالمحلية، وبالكلاسيكي بكل ما ينضح به من صلات وثيقة بالتراث.

والمنتج النهائي شخوص مستلبة وغير متصالحة مع الواقع، أو ما يسمى بالشخوص البيكارسكية التي تذكّرنا بأبطال المقامات أو بشخصية دون كيشوت لسرفانتيس.

ليس من اليسير التعامل مع أدب حبيبي بتلك البساطة والسذاجة، فتلك السخرية المرة والمفارقة الحادّة، وإذا أردتم: تلك الأعمال المثقلة بالتناص، لا تجعل أعماله موغلة في العمق فحسب، بل غنية بالدلالات ومعينًا لا ينضب من التساؤلات لنقل رسالته السياسية بدهاء الفنان الأصيل ومكره".